في سنوات الوجع.. المبدع اليمني كسر الحرب بالحرف

صنعاء: بلال قائد عمر
2020-01-04 | منذ 5 شهر

الحرب تدخل عامها الخامس في اليمن

لم يكن وضع المثقف اليمني أفضل حالاً خلال السنوات الماضية، لكن الحرب التي عصفت باليمن جعلته يعيش أصعب لحظات الوجع، غير أنه لم يستسلم ووقف يواجه بالحرف، وتمسك بحلمه بالإنتاج والوصول للآخر فطرق أبواب دور النشر العربية ليغير المحيط ويخلق فسحة أمل ومساحة للتفاؤل.

انعكاس سياسي
البداية مع القاصة اسماء المصري التي عزت الخلل الثقافي في اليمن التبعات السياسية : مما لا شك فيه أن يتأثر المشهد الثقافي في كل بلد بحالة الاستقرار السياسي أو غيابه خصوصاً في حالات الحروب والنزاعات المسلحة، ففي بلادنا تنعكس مظاهر السياسة والحرب سلباً على استمرارية وتطور النشاط الثقافي وغزارة النتاج الأدبي وبالأخص في المدن والمناطق الاكثر تضررا منها، أما بالنسبة لبقية المناطق فبقيت عدد من المؤسسات الثقافية المحدودة الامكانيات تناضل من أجل مواصلة دورها الابداعي وانعكست تداعيات الأزمة الاقتصادية وارتفاع الاسعار نتيجة الحرب الدائرة على أداء مؤسسات ودور النشر المحلية من حيث ارتفاع قيمة مواد الطباعة إلى مستويات تقارب تكلفة طباعة الكتب خارج البلاد أو تزيد.

تقاصي لاسماء المصري

وتضيف: من الطبيعي أن تلقي الأحداث الدائرة من حولنا ظلالها على ما نشعر به ونعبر ونكتب وتغوص بنا في تفاصيلها الصعبة ولحظاتها المؤلمة فتطفو حروفنا مصبوغة بلون وجعها مضمخة برائحة الترقب الذي لا يخلو من امل .
وعن تجربتها تقول: صدرت لي مجموعة في يناير الماضي وحظيت بانتشار وحضور رائع خلال المعارض الدولية في عدد من الدول العربية وكانت انطلاقتي الأولى إلى القارئ العربي بعد عدد من الاصدارات داخل اليمن وكان هذا الخيار الخارجي مدروس ومرتب له .

الروائي وليد دماج

الحرب حافز
وليد دماج روائي يرى أن: المشهد الثقافي في غاية البهوت نظراً لارتفاع صوت السلاح في اليمن فمن أين للصوت الثقافي أن يصدح كما أن الوضع الاقتصادي والنفسي يؤثر تأثيرا سلبيا كبير على الحركة الابداعية خصوصا مع حالة تقييد الحريات التي تمر بها اليمن منذ عامين لذا من المؤكد أن الحركة الثقافية والابداعية هي في أسوأ حالاتها، كما من المؤكد أن هناك جيلا مبدعا يقاوم هذا الركود ويحاول إنعاش الساحة الثقافية بإصدارات جديدة.

رواية هم للكاتب وليد دماج

ويعود دماج ليستطرد : الوضع الهش وما تعيشه البلاد من حالة احتراب داخلي وخارجي يفترض أن تكون حافزا للأدباء والمبدعين كي يواصلوا الكتابة والعمل على النشر. ولعل الفرص صارت مشرعة أكثر للكتاب لكي ينشروا أعمالهم خصوصا في الخارج بعدما أغلق دار عبادي للنشر أبوابه وهو الوحيد الذي كان يعني بنشر الابداع الأدبي اليمني، علينا الاستمرار في الانتاج وتجاوز هذا الجمود الذي يحاول تكبيل الفعل الإبداعي اليمني.

أفكار معكوسة للقاص عبدالعظيم الصلوي

الكتابة مقاومة
يقول القاص عبدالعظيم الصلوي: أعتقد أن دوافع الكتابة هي دوافع ذاتية تختلف من مبدع إلى آخر، أما عني فأنا أكتب ما يضغط عليّ او يلح على بقسوة ربما تكون أحداث في الماضي مثل الذكريات مثلا أو أحداث في الحاضر، أو ربما استشراف بما سيأتي، فيها ما هو فردي أو اجتماعي أو سياسي لكنني أضعها في قالب إنساني في جدل فني يبرز التوتر بين ما هو خفي مستبطن وما هو ظاهر جلي، ومن يقرأ مجموعتي القصصية " أفكار معكوسة " يدرك أن ذكريات الطفولة تتبدي في أكثر من قصة وربما هي تعكس حالة الاغتراب التي نعانيها.
ويضيف الصلوي : الحرب تخلق حالة دفاعية من المقاومة ، الكتابة هي أعلي درجات المقاومة ورغم ما تمر به اليمن من أحداث إلا أنها حالة مخاض لتغيير شامل في مناحي الحياة وسوف يتصدر الشأن الثقافي في المستقبل لأن الثقافية هي التي تغير الفكر السياسي والاجتماعي وتعيد صياغة الأمور بصورة أفضل .

في تابوت امرأة للقاصة سيرين حسن

محاولة للكسر
القاصة سيرين حسن تذهب للحديث عن الطباعة في زمن الحرب وتقول: الفعل الثقافي في اليمن مجرد محاولة لإدخال عنصر امل في الحياة ليكسر ظلمة الحرب وقسوتها، وعن سبب اختيارها الطباعة خارج اليمن توضح : الطباعة هنا اصبحت مجرد تخزين للكتب في الرف لا توزيع ولا قارئ، أما الطباعة في بلد أخر غير اليمن فإنها تفتخ افاقا لقراء جدد متنوعي الاعراق والجنسيات ليطلعوا ويتعرفوا على ما نكتبه .

ببالغ الشجن لصخر المنصري

مؤشر هام
وعلى الرغم من قلة الإعمال الإبداعية إلا أن الشاعر صخر المنصري يؤكد بأن : وجود إصدارات لكتّاب وأدباء يمنيين في ظل هذه الظروف ومشاركتها في أغلب المعارض الدوليّة إن لم تكن كلها يعد مؤشر هام ينبئ بأننا نمتلك الكثير من الثقافة ولدينا المزيد ربما لو وُجد من يحرِّك ما بداخلهم وهذا الدور الذي يفتقدهُ المثقّف اليمني بطبيعة الحال .

ويضيف : لا شك أن الأحداث الأخيرة في اليمن تبعث الوجع، لهذا نحاول جاهدين أن نجعلها ملهمه ونرسم صورة جميلة عن الوطن، تعبر عن الكتاب اليمني بكل ألوانه وكان عليّ لِزاماً إصدار كتابي في مثل هذهِ الظروف خصوصاً وأن بداخلهِ نصوصّاً كانت الحرب ملهمة في كتابتها .

صوت الحرف
الشاعر محمد ابراهيم الغرباني يقول: أصدرت على نفقتي الخاصة ولا يعني أنني أمتلك المال الكثير لذلك لكنني أردت تحطيم فكرة أن ننتظر من يقوم بالطباعة، أردت أن يرتفع صوت الحرف في زمن ارتفع فيه صوت الحرب ولأقول للكُتّاب الذين تخلوا عن أنفسهم أن عليهم أن يُقاتلوا في سبيل أن يحافظوا على هويتهم في زمنٍ تخلى كثيرون عن كونهم مثقفون.
ويختتم بأن: الوضع الثقافي في اليمن ليس فقط مع الحرب ولكن منذ سنوات كثيرة وحتى الآن هو وضع ترفيهي ثانوي بدليل أنه لم يخلق أثراً بل متأثر بطبيعة الحكم السياسي رغم وجود مثقفون كُثر.

ترجمة الإحساس
وتتفق مع هذا الطرح القاصة انصاف ابو راس وتضيف: الكاتب احساس بما يدور من حوله يترجم هذا الاحساس لكلمات بها يحاول التخفيف من كم الوجع والألم لأجل وطنه خصوصاً في ظل الحرب .

نوب الغياب

نشل وليس نشر
أما القاص رياض نسيم يقول بتذمر: الذين يستولون على الحكم الآن في اليمن لا يشجعون سوى النشل أما النشر فلا يهمهم فمنذ متى كان يهم العصابات وقطاع الطرق نشر الثقافة والمعرفة الوضع غير مشجع على النشر على الإطلاق، ولم تكن الدولة في أي وقت مسؤولة عن نشر أعمال الكتاب اليمنيين ولا يختلف حالها في ظل الحرب إلا في توقف الدعم الزهيد الذي كانت تمنحه بعض الوزارات للكُتاب من خلال شراء عدد من نسخ كتبهم التي يصدرونها على نفقتهم الخاصة .

ويخلص للقول: أجد نفسي جاهز للطباعة ولدي الوقت لكن الوضع مأساوي بكل المقاييس نحن بدون شبكة كهرباء وبدون ماء منذ أكثر من عام حتى الآن، والغلاء مستشرٍ و "الحالة في التنك" كما يقول المواطن البسيط بلهجته المحلية ليعبر عن حالة الضيق والضنك التي وصل إليها.

لحرب واحدة للقاصة انتصار السري

انتشار عربي
القاصة انتصار السري تقول: هي رسالة لمن أراد لنا الموت نقول له سنظل نتنفس ونبدع ونصدر رغم صعوبة امكانية الاصدار، أما فكرة طباعتي خارج اليمن فهي ليست جديدة أو متأثرة بوجود الحرب لان الطباعة خارج اليمن- رغم تكلفتها الباهظة- تحظى بالانتشار العربي وهذه خطوة تأخرت لان الإصدار في الداخل يجعلك في نطاق المحلية التي تحصرك في مدينتك ولا تستطيع معها النفاذ إلى مختلف مدن الوطن فما بالك بأن تكون حاضراً خارج الحدود، ونحن نبحث عن انتشار للكتاب في معارض الكتاب الدولية المشارك فيها دار النشر التي نطبع لديهم.

وعن المشهد الثقافي اليمني تقول: لا يوجد ثقافة ومشهد ثقافي بالمعنى الصحيح في اليمن هناك شلليه والصغير يكون سلمة ليصعد الكبير ويتضخم حجمه أكثر وأكثر.

الروائي والناقد الاستاذ محمد الغربي

إبداع بهموم إنسان
الروائي والناقد الاستاذ محمد الغربي عمران يطرح قراءاته للمشهد من واقع الاصدارات الحديثة فيقول: قرأت معظم تلك الإصدارات وكتبت عن بعضها هو نتاج جيد ولسنا في موقع الحكم فالإبداع أفقه واسع لكن ما يدهشني أن تلك الإصدارات جاءت متنوعة فالشعر مدهش وهو يحمل هموم إنسان يعيش هذا الخراب والاقتتال فديوان بلال قائد حمل تباشير النص الجديد والمختلف ويمكنك الاطلاع على آخر نتاجه القصة كان لها النصيب الأوفر من الإصدارات جاء كتابها بأساليب مختلفة عن نصوص إصداراتهم السابقة.

ويواصل: فلو قرأت لأسماء المصري وسرين حسن أو انتصار السري ستدهشك تلك التقنيات المستخدمة وكذلك المواضيع التي تناقشها تلك المجاميع أيضا الرواية يوما بعد يوم تحتل مكانة فكتباها في تجدد مستمر لا يكررون أنفسهم ولا يدورون في حلقات جامدة في الأساليب الفنية وفي النقد كتاب للأستاذ علي أحمد قاسم ركز في مقاربات نشرت خلال السنوات الأخيرة معظمها حول الشعر جمعها في كتابه صدر من القاهرة كتاب يسد بعض الفراغ النقدي.

وزارة الثقافة اليمنية

وزارة متبلدة
ويعلق الغربي عمران على دور الجهات المعنية ممثلة بوزارة الثقافة: الإصدارة الجديدة ترقى إلى مستوى رائع والكتاب يثبتوا حضورهم رغم الظروف الاقتصادية الصعبة وإهمال وزارة الثقافة التي فقدت قيادتها بوصلة الاتجاه وقد نسوا أنها وزارة للكتاب والأنشطة الثقافية، وبالطبع مع المزيد من الإنتاج يتطور الكاتب فالكاتب اليمني يبوح بهمومه في زمن الحرب أشد على أياديهم ليكون الإبداع في مواجهة الخراب وماذا ننتظر من الأدباء إزاء نتاجهم وقد أصيبت وزارة الثقافة بالتبلد إلا أن يعتمدوا فيطبع نتاجهم على نفقتهم الخاصة.

الشاعر والناقد زياد القحم

صعوبة الحكم
زياد القحم الناقد والشاعر الشاب يؤكد أنها: بارقة أمل لأنها خطوات غير كافية، ولا أستطيع أن اتجاهل بأنها نقلة صعبة. المشتغلون بالكتابة في هذه البلاد لا يلتفت إليهم الجانب الحكومي المعني بفلترة أمكاناتهم وتطوير قدراتهم، ومن ثم رعايتها، لذلك يصعب أن تحكم على هذا العمل أو ذاك بأنه سلبي أو جيد، لا يوجد تقييم ولا ملاحقات نقدية، لكن لعل هذه الأنشطة لا تخلو من أعمال جيدة تستحق أن يحتفل بها المشهد الثقافي.

ويضيف القحم : الجميل في الموضوع أن مسألة إصدار الكتب وطباعتها لا زالت في مقدمة الهموم لدى هذا الجيل من الكتاب والأدباء، ويظل الأجمل أن يتمكن هؤلاء الأدباء الشباب في أعمالهم القادمة من تفهم حاجات القراء، ومن رفع مستوى ذائقهم في نفس الوقت.. بمعنى لا يجرك القارئ إلى مستواه الفني البسيط. وفي نفس الوقت لا تحاول سحبه إلى طرائقك الكتابية التي لا يتمكن من التعاطي معها، بل تتفنن وتبدع في التمكن من حل هذه المعادلة الصعبة.

 

طرح واعي
وختاماً تحدث الناقد والقاص عبدالرقيب مرزاح قائلا : هي - في الأصل - محاولات واعية وحقيقية ابتغاء تثبيت الحياة وتأكيدها ورغبة أصيلة للتحرر والانعتاق من قيود المؤسسات الثقافية التي تسعى إلى تدجين المثقف وفرض الوصاية على مواقفه في الحياة وتفريغه من محتواه حتى يغدو دمية تحركه أنامل خفية باتجاهات تعزيز الزيف والهشاشة وتمجيد سلبية الواقع والحياة.
ويختتم : الأعمال الأدبية التي صدرت خلال هذه الفترة الممتدة من مطلع عام 2015 إلى منتصف
2016 م ابداعات متنوعة تطمح بوعي ورؤية إلى تحريك الركود الثقافي وتوجيه الأوساط
الثقافية والمعرفية إلى ميادين الإنجاز وتفعيل الطاقات الإبداعية في البناء والتشييد حتى
يغدو الوطن خلاف ما هو عليه ويتسنى للأجيال القادمة مواصلة الحلم والحياة.


لمتابعة أخبارنا على تويتر
@DebrieferNet

لمتابعة أخبارنا على قناة "ديبريفر" في التليجرام
https://telegram.me/DebrieferNet

آخر الأخبار

إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق