خبراء اقتصاد يحملون الرئيس مسئولية تردي الخدمات واستمرار انقطاع الكهرباء

اليمن: تفاقم الأوضاع المعيشية في عدن رغم عودة هادي وحكومته (تقرير خاص)

عدن - ديبريفر (تقرير خاص)
2018-06-22 | منذ 6 شهر

إحدى التظاهرات الليلية في عدن احتجاجاً على انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات

 Story in English:https://debriefer.net/news-1195.html

  مع عودة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي وحكومته المعترف بها دولياً إلى محافظة عدن جنوبي اليمن، في 14 يونيو الجاري، زادت الأوضاع المعيشية للسكان تفاقماً رغم الوعود الحكومية التي لم تنفذ حتى الآن.

  وتفاقمت الأوضاع بعدن في الآونة الأخيرة وأصبح الخدمات الأساسية للحياة شبه منعدمة بالمدينة الساحلية ذات درجات الحرارة المرتفعة، مع انقطاع مستمر للكهرباء يصل إلى عشر ساعات يومياً مقابل ١٤ ساعة تشغيل فقط.

  كما تعاني عدن التي تتخذها الحكومة اليمنية عاصمة مؤقتة للبلاد، من شح كبير في المياه وتفاقم طفح المجاري (مياه الصرف الصحي) بصورة غير مسبوقة في تاريخها، ما ساعد كثيراً في انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، وفق مختصين.

طفح مياه الصرف الصحي في عدن

 

 وأبدى غالبية سكان عدن تفاؤلا مع عودة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى عدن مؤخرا لأول مرة منذ عام ونصف في تحسن الخدمات العامة بما في ذلك إصلاح مرافق الكهرباء التي شهدت تحسنا طفيفاً لايكاد يذكر باعتبارها أحد أهم احتياجاتهم، لكن توقعاتهم ذهبت أدراج الرياح وهذا التحسن لم يدم طويلاً حيث عادت عملية الانقطاعات المبرمجة بشكل أسوأ من قبل لتصل إلى ساعتين تشغيل مقابل ساعتين انقطاع.

  وسخر السكان من الوعود المتكررة والتي وصفوها بـ"الكاذبة" لـ ما باتوا يطلقون عليها بـ"حكومة معاشيق" نسبةً للقصر الرئاسي الواقع في رأس جبل يطل على البحر شرق عدن وتقيم فيه الحكومة وتباشر مهامها منه دون أن تنزل للشارع لتلمس احتياجات وهموم المواطنين والعمل على تحسين الظروف المعيشية بالمدينة.

 ورغم أن عدن كانت من أوائل مدن منطقة شبه الجزيرة العربية والخليج العربي التي دخلت إليها الكهرباء بنهاية القرن التاسع عشر عندما كانت تحت الحكم البريطاني الذي أدخل إليها الكثير من مقومات الحياة المدنية، إلا أن سكان المدينة يعانون اليوم الأمرين مع ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 42 درجة مئوية.

عودة الرئيس هادي إلى عدن في 14 يونيو الجاري 

 

الضغط الشعبي يدفع الحكومة للبحث عن حلول

 

  وتشهد بعض الليالي في مدينة عدن، تظاهرات شعبية احتجاجاً على انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات، وفي بعض الأحيان تتطور تلك التظاهرات إلى قطع الطرقات وحدوث اشتباكات مع رجال الأمن.

  ونتيجة للضغط الشعبي، بدأت الحكومة اليمنية التي يرأسها الدكتور أحمد عبيد بن دغر عن حلول للمشاكل المتفاقمة المرتبطة بحياة ومعيشة سكان مدينة عدن، سيما في قطاع الكهرباء.

  وأعلنت شركة مصفاة عدن للتكرير رغبتها في شراء ٩٢ ألف طن من المنتجات النفطية من أجل تزويد محطات توليد الكهرباء في عدن.

 ونقلت وكالة الأنباء اليمنية سبأ في نسختها بالرياض والتابعة لحكومة "هادي"، أمس الخميس، عن المصفاة دعوتها الشركات المحلية الراغبة إلى دخول في مناقصة عامة لشراء ٦٢ ألف طن من الديزل و٣٠ الف طن متري من المازوت لمحطات توليد الكهرباء في عدن وسط تدني إمدادات الوقود بسبب الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات.

 واشترطت مصفاة عدن تقديم العروض بالدولار الأمريكي من قبل الشركات المحلية الراغبة الدخول في المناقصة، وآخر موعد لتلقي العروض هو الأول من يوليو تموز المقبل.

 وسبق أن طرحت مصفاة عدن في 13 مايو الماضي مناقصتين منفصلتين لشراء 150 ألف طن من المنتجات النفطية من أجل السوق المحلية ومواجهة العجز الحاصل في توليد الكهرباء في عدن.

 

محطات الكهرباء تهدد بالتوقف

 

 يأتي سعي مصفاة عدن لشراء المنتجات النفطية بغية تزويد محطات توليد الكهرباء، بعد ساعات قليلة من التحذيرات التي أطلقتها مؤسسة الكهرباء الحكومية بعدن أمس الخميس، إلى الجهات الحكومية بسرعة تزويد محطات الكهرباء بمادة الديزل مالم فإن المحطات ستخرج عن العمل في الأيام القادمة.

 وقال بيان صادر عن المكتب الإعلامي للمؤسسة إن جزء من التوليد خرج عن الخدمة فعلياً بسبب نفاد كمية الديزل، وأنه لم يتم تزويد المحطات بكمية الوقود المطلوبة منذ يوم الأربعاء، مؤكداً ضرورة  الإسراع في تزويد المحطات بالمشتقات النفطية لتستمر خدمة الكهرباء.

 وكان رئيس الوزراء اليمني  احمد بن دغر دعا في كلمته الاثنين الماضي خلال افتتاح شركة اتصالات "عدن نت"، التحالف العربي بقيادة السعودية إلى دعم حكومته بالوقود، موضحاً إن تكلفة وقود محطات كهرباء عدن تصل إلى ٥٠ مليون دولار شهرياً.

 

تحرير سوق المشتقات النفطية ودوره في الأزمة

 

 وفتح استمرار طرح شركة مصفاة عدن مناقصات لشراء الوقود بشكل شهري تقريباً، باب الانتقادات اللاذعة على مصراعيه ضد الرئيس هادي وحكومته.

 وحمل مراقبون وخبراء اقتصاد محليون الرئيس هادي وحكومته مسئولية تردي الأوضاع الخدمية في عدن، خصوصاً استمرار انقطاع الكهرباء وتعطل الحركة في عدن بسبب انعدام الوقود بين حين وآخر مما يزيد من تبعات تفاقم الوضع الإنساني والاجتماعي.

 وعزا هؤلاء أسباب ذلك إلى قرار هادي في مطلع مارس الماضي والقاضي بتحرير سوق المشتقات النفطية، وفتح مجال الاستيراد أمام شركات القطاع الخاص، وإخضاع عملية بيع وتوزيع المشتقات للمنافسة بين الشركات.

 وحذروا من خطورة استمرار هذا القرار الرئاسي، على الأمن القومي، وقيمة العملة الوطنية، والأوضاع المعيشية للمواطنين، في ظل غياب دور الدولة وأجهزتها الرقابية الحكومية الفاعلة.

 

احتكار العيسي وابتزاز شركة النفط

 

 وأكدت مصادر حكومية لوكالة "ديبريفر" للأنباء أن قرار هادي بتحرير سوق النفط عطل إحدى أهم الموارد المالية للدولة، وعمالقة اقتصاد البلاد، شركتي النفط الحكومية ومصافي عدن، فضلاً عن أن القرار لم يطبق منه شيئا بسبب سيطرة تاجر واحد على جميع خزانات شركة مصافي عدن، في إشارة إلى رجل الأعمال اليمني أحمد العيسي المورد الوحيد للمشتقات النفطية للعاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة لها.

خزانات لشركة النفط الحكومية في عدن

 وأوضحت المصادر أن عددا من الشركات والأفراد تقدموا بطلبات استيراد المشتقات النفطية إلى عدن وبأسعار منافسة بعد إعلان قرار تحرير سوق الوقود، إلا أنهم فوجئوا بأن مصافي عدن قد وقعت اتفاقية تأجير طويلة الأمد لخزانات المصفاة مع التاجر أحمد صالح العيسي، وبالتالي صار هناك صعوبة على أي تاجر آخر في استيراد المشتقات لعدم وجود خزانات تستوعب كميات المشتقات النفطية بعد تفريغها من السفن تمهيدا لضخها إلى السوق المحلية .

 وقال مسئولون في شركة النفط اليمنية الحكومية بعدن لـ"ديبريفر" إن شركة العيسى تمارس الابتزاز على شركة النفط المختصة بتوزيع الوقود محلياً في المحافظات الجنوبية، والشركة هي التي تشتري من العيسي المشتقات بالسعر الذي يحدده هو بالعملة الصعبة وبزيادة في الأسعار، ما يترتب عن ذلك خسائر فادحة على الشركة الحكومية.

 

عجز الحكومة

 

 وأشارت المصادر الحكومية إلى أن قرار تحرير سوق المشتقات النفطية، وتعطيل شركتي النفط الحكومية ومصافي عدن، يمثل إضعافا لما تبقى من سلطة للدولة والشرعية التي تآكلت بسبب عجزها وفشلها الذريع في القيام بدورها على الوجه الأمثل في عدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها.

  وأكدت المصادر أن تَسليم ذراعي حركة النقل والتشغيل، وإدارة المال، لشبكات مصالح وقوى جديدة سابقة خطيرة، هي الأولى من نوعها في دول العالم، حيث تسلم الحكومة أهم مورد إيرادي لها إلى تاجر يتحكم بمصير دولة وشعب بكامله، وفق لتعبير المصادر.

 وجاء قرار تحرير سوق المشتقات النفطية، بعد إحجام حكومة هادي على تغطية فاتورة واردات الوقود بالعملة الصعبة، وتوقف شركتي النفط الحكومية ومصافي عدن، عن استيراد الوقود وتحويلهما إلى مخازن خاصة بتجار.

التاجر احمد العيسي المتحكم في النفط بعدن

 وتحتكر شركة "عرب جلف" عملية استيراد الوقود في عدن وبقية المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية "الشرعية"، وهي شركة تجارية استثمارية مملوكة لرجل الأعمال أحمد العيسي، والذي صدر أخيراً قراراً بتعيينه مستشاراً للرئيس هادي، فيما يتولى أحمد عوض حمران الذي كان موظفاً عادياً بمنصب نائب مدير إدارة تموين المطارات، تصريف المشتقات النفطية للعيسي وتحول إلى رجل أعمال من العيار الثقيل.

 

شلّ نشاط شركة النفط

 

 وأكدت مدير شركة النفط في عدن، انتصار العراشة، أن مديونية الشركة تراكمت في فترة ما بعد الحرب الأخيرة على عدن، وتحديدا في عام 2017، ووصلت إلى 128 مليارا و564 مليون ريال يمني، وبلغت فيه مديونية الكهرباء وحدها  114 مليارا و897 مليون ريال، متسائلة "في هذه الحالة كيف لشركة النفط كمؤسسة حكومية أن تنهض بدورها في ظل تراكم تلك المديونيات؟!".

 وأوضحت العراشة في مؤتمر صحفي عقدته أواخر مايو الماضي بعدن: أن "شركة النفط الجهة الوحيدة التي تتحمل مسؤولية التمويل، أما مسألة تحديد الأسعار فليس لها أي يد في ذلك، لأن السعر لاتحدده الشركة، وإنما تحدده الحكومة، ولكن بعد قرار الرئيس هادي، القاضي بتحرير السوق المحلية، لم تصدر أي تسعيرة جديدة، وانخفضت المشتقات النفطية لفترة معينة بالسعر الحكومي، وهذا ما أثر على شركة النفط بوجود خسارة كبيرة مقارنة بسعر الشراء وسعر البيع، لأن هناك فارق في السعر، وهذا الفارق يتمثل بالدعم الحكومي، وهذا الدعم انتهى".

 وأضافت: "على إثر ذلك، تفاقم العبء على شركة النفط، وتوقفت عن البيع، ولاحظ الجميع ذلك من خلال توقف محطات الوقود الخاصة بالشركة لفترة كبيرة عن البيع، وظلت محطات القطاع الخاص هي التي تعمل، فليس بمقدور الشركة أن تغطي احتياجات السوق، كونها لا تقدر أن تبيع بالسعر الحكومي، فهو خسارة عليها، حيث أنها تأخذ المواد النفطية بسعر عالٍ لعدم اعتماد الحكومة للسعر، وعلى إثر ذلك رفعنا عدة مذكرات لاعتماد السعر من قبل الحكومة، ولم يأتِ إلينا أي رد".

  وأشارت إلى ضرورة إصدار آلية تبين كيفية العمل في إطار تحرير السوق، وهذه الآلية هي من ستبين وضع شركة النفط ومصافي عدن مع التاجر، ومازلت الشركة بانتظار صدور هذه الآلية التي وُعدت الحكومة بها.

وأضافت: "هناك أسباب لارتفاع أسعار المشتقات النفطية لا تتحملها الشركة، وإنما تعود إلى ارتفاع السعر العالمي للمشتقات النفطية، إضافة إلى ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق المحلية، علاوة على أننا كنا في السابق نتحصل على الدولار من البنك المركزي، كون أن حساباتنا متواجدة في البنوك الحكومية، ولكن اليوم لم نتمكن من الحصول على المال من البنك المركزي لعدم وجود رصيد، ما اضطرنا إلى الشراء من السوق والأخذ بسعره، وذلك يؤثر على سعر البيع، علاوة على أن التاجر المورد للنفط يريد أن نتعامل معه بالدولار وليس بالريال اليمني".

انتصار العراشة مديرة شركة النفط في عدن

 وأوضحت العراشة أن ":الشركة اشترت منذ 24 مارس الماضي بأربعة أضعاف السعر، ولهذا يلاحظ المواطن عدم ثبات سعر المواد النفطية، ولا نضمن ارتفاعها أو هبوطها، فهو يعتمد على البورصة العالمية".

 ورفعت شركة النفط مطلع يونيو الجاري في عدن والمحافظات الخاضعة لسيطرة حكومة هادي، باستثناء حضرموت ومأرب، أسعار البنزين إلى 6500 ريالا للدبة الواحدة عبوة 20 لتر، وذلك من 6000 ألف ريال قبل أشهر بعد أن كان السعر الرسمي للدبة 3700 ريالا في العامين الماضيين.

 وأظهرت التحديات في عدن مدى عجز الحكومة الشرعية في استعادة النظام في اليمن الذي يعيش منذ أكثر من ثلاث سنوات صراعا دمويا سقط فيه نحو 11 ألف مدني على الأقل وشرد الملايين، وتسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم نتيجة تداعي أنظمة الرعاية الصحية والتعليم وغيرهما في الدولة الفقيرة.

 واستغل المتشددون الاسلاميون نقاط الضعف الأمنية المنتشرة في بلد تعتبره السعودية فناء خلفيا لها، لتنفيذ اغتيالات وتفجيرات خاصة في المناطق الجنوبية المضطربة التي تسيطر عليها الحكومة "الشرعية" شكلياً.

 وفر نحو ثلاثة ملايين من ديارهم منذ تصاعد الصراع نزح معظمهم داخل اليمن.

 وتدخلت المملكة العربية السعودية في الحرب اليمنية في 26 مارس آذار عام 2015 لتمكين حكومة هادي من ممارسة عملها لكنها لم تتمكن بعد من استعادة العاصمة صنعاء من جماعة الحوثيين (أنصار الله) المدعومة من إيران على الرغم من آلاف الضربات الجوية.

 ويحتاج 20 مليونا من سكان اليمن البالغ عددهم 28 مليون نسمة إلى مساعدات إنسانية عاجلة وكثير منهم على شفا المجاعة، بينما تعمل أقل من نصف المنشآت الصحية في البلاد بكامل طاقتها.

 

 

 


لمتابعة أخبارنا على قناة "ديبريفر" في التليجرام عبر الرابط أدناه:
https://telegram.me/DebrieferNet

آخر الأخبار

إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق