سياسة واشنطن خطأ استراتيجي وكارثة إنسانية

كيف تعمل الولايات المتحدة على تمكين إيران في اليمن؟

صحيفة "فورين أفيرز" الأميركية – ترجمة "ديبريفر"
2018-07-27 | منذ 5 شهر

أنقاض منزل في  اليمن دمره طيران التحالف الذي تقوده السعودية

Story in English:https://debriefer.net/news-2042.html

ترجمة خاصة لـ"ديبريفر"

 بقلم: دانيال بايمان

 هدف إدارة ترامب الأول في الشرق الأوسط واضح: مواجهة إيران، التي أتهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار مسئوليه بأنها دولة مارقة وراعية  للإرهاب وزارعة للفوظى الإقليمية.

  في مايو، أثارت إدارة ترامب قضية طموحات طهران الإقليمية لتبرير انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وفي هذا الأسبوع، حذر وزير الخارجية مايك بومبيو من أن النظام الإيراني مصمم على "تصدير الثورة الإسلامية وتدمير جيرانه".

 ومع ذلك، فإن مثل هذه التحذيرات من التهديد الإيراني، ليست عاملاً رئيسياً؛ فالسياسات الخاصة بالولايات المتحدة عملت في بعض الأحيان على مساعدة طموحات إيران الإقليمية بدلاً من أن تعيقها، وهذا أمر ليس واضحاً في أي مكان كما هو واضح في اليمن.

 أدى الدعم الأمريكي لحملة عسكرية وحشية بقيادة السعودية على اليمن إلى خلق أزمة إنسانية ذات أبعاد صادمة، في حين وفر فرصة أمام إيران لتوسيع نفوذها في البلاد. لقد جعل التدخل العسكري المقاتلين هناك أكثر اعتماداً على الدعم من طهران وجعل المدنيين يعادون شركاء الولايات المتحدة.

 إذا أرادت واشنطن مواجهة النفوذ الإيراني، فإنها بحاجة إلى عكس مسارها ـ إنهاء دعمها الكارثي للتحالف الذي تقوده السعودية وإلقاء كل ثقلها لدعم محادثات السلام، فمضاعفة الجهد العسكري لن تؤدي إلا إلى تعزيز الصعود الإقليمي لإيران.

 

تكاليف غير متوقعة

   تعود جذور الصراع الحالي في اليمن إلى أوائل العقد الأول من القرن الحالي، عندما تمرد الحوثيون القادمون من مدينة صعدة الشمالية مراراً وتكراراً على نظام الرئيس علي عبد الله صالح، على أمل زيادة نصيبهم من وظائف الدولة. أجبرت مظاهرات الربيع العربي في عام 2011 صالح على التنحي وسلم السلطة إلى الرجل الثاني في القيادة، عبدربه منصور هادي، لكن خلف الكواليس، رسم صالح مع القوات العسكرية الموالية له مخططا للاحتفاظ بنفوذه.

 استفاد المتمردون الحوثيون من الفوضى التي أعقبت ذلك في عام 2014، وفي العام التالي، سيطروا على جزء كبير من اليمن، وكان القتال ضد الحوثيين - وبين بعضهم البعض – من قبل مؤيدي حكومة هادي، وفرع تنظيم القاعدة في اليمن، والانفصاليين الجنوبيين، ومجموعة من الناشطين المحليين.

  ومبتهجة بهذا التعقيد، شنت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حرباً في مارس 2015، سعياً إلى إعادة الرئيس هادي إلى السلطة ومحاربة الحوثيين، الذين اعتبروهم وكيلاً لعدوهم الأزلي، إيران.

 خشي القادة السعوديون والإماراتيون من أن تحصل إيران على موطئ قدم لها في اليمن من خلال الحوثيين مثلما فعلت في لبنان، حيث تمتلك طهران حليفاً قوياً يمثل شبه دولة في صورة "حزب الله". لقد تنبأ الزعماء السعوديون بأن التدخل من شأنه أن يقلب بسرعة الموازين وأن الحرب الأهلية ستنتهي في غضون أسابيع فقط.

  وبعد مرور ثلاث سنوات، تعمق التدخل العسكري الذي كان من المفترض أن يكون تدخلاً قصيراً حاسماً، دون أن تلوح له نهاية في الأفق. بتلك الحملة أمكن استعادة أجزاء من جنوب اليمن من الحوثيين.

  استعادت تلك الحملة أجزاء من جنوب اليمن من الحوثيين الذين ما زالت العاصمة صنعاء تحت سيطرتهم وما يزالون يتباهون بعشرات الآلاف من المقاتلين المسلحين.

  كان هناك سبب وجيه لواضعي السياسات في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وواشنطن، للقلق إزاء التفوق الإيراني المتنامي في جميع أنحاء المنطقة، فقد حقق دكتاتور سوريا، بشار الأسد، أقرب حليف لطهران، تقدماً مستمراً ضد الجماعات المتمردة، بما في ذلك القوات المدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها.

  في مايو، عززت الانتخابات في العراق ولبنان نفوذ الجماعات المدعومة من قبل إيران، في حين لحقت النكسات بالمرشحين المفضلين للولايات المتحدة والسعودية. اشتهر عضو في البرلمان الإيراني بقوله أن بلاده تحكم "أربع عواصم عربية" - بغداد وبيروت ودمشق والآن صنعاء.

  مع ذلك، من السهل المبالغة في مدى سيطرة إيران على المنطقة على وجه العموم، وعلى اليمن على وجه الخصوص. في الواقع، الحوثيون وإيران حلفاء يجمعهم الوقوف ضد الحملة العسكرية السعودية المدعومة من الولايات المتحدة.

  وعلى الرغم من أن الحوثيين يشار إليهم بالشيعة، إلا أن عقيدتهم تشبه إلى حد كبير التيار السني أكثر من تشابهها مع معتقد التيار الشيعي الذي يمارس في إيران، وعلى عكس حزب الله اللبناني، فإنهم لا يعلنون الولاء للزعيم الأعلى في إيران.

  الانقسام العربي الفارسي وتركيز الحوثيين على مسألة الوصول إلى مناصب الدولة في اليمن والرغبة القوية في الاستقلال اليمني كل ذلك ساهم في اختمار فكرة أن الحوثيين هم وكلاء لطهران.

   لكن بسبب الحملة التي قادتها السعودية الهادفة إلى ردع إيران، تهيأت لطهران الآن فرصة الانفتاح في اليمن، ربما ما كانت لتتحصل عليها، فهي تمد الحوثيين بالأسلحة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وهم يوفرون لإيران في المقابل، فرصة الدخول إلى بقعة من العالم، كان نفوذها فيه محدودا في يوم من الأيام. وقد هدد الحوثيون بقصف السفن قبالة السواحل اليمنية بالصواريخ الإيرانية، حتى أصابوا سفينة تركية تحمل على متنها مساعدات إنسانية.

    وتُردد شعارات الحوثيين وخطبهم واستراتيجيتهم الإعلامية صدى حزب الله، الأمر الذي يعزز المخاوف السعودية من أن تتحول هذه الجماعة إلى نسخة يمنية من الوكيل اللبناني لإيران. بالإضافة إلى ذلك، يعتنق الشيعة في البلدان الأخرى فكرة الحوثي كجزء من ما يعتبرونه صراعا أكبر ضد الهيمنة السنية.

  قامت الإمارات بنشر قوات برية كبيرة، في حين قامت الرياض بشن أكثر من 100 ألف طلعة جوية، وتنفق ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار شهريًا على الحرب، أي أكثر بكثير مما تنفقه طهران على دعم الحوثيين. وقُتل في هذه الحرب حوالي 10 آلاف شخصا وفرضت السعودية حصارا على الموانئ اليمنية سبب خسائر إنسانية فادحة.

   في العام الماضي، عانت اليمن من أسوأ حالة تفشٍ لوباء الكوليرا في العالم. وتسببت المجاعة والمرض في وفاة أكثر من 50 ألف طفل، كما يعاني مئات الآلاف من سوء التغذية، وقد تم تخفيف الحصار، لكن الضرر الذي جلبه أدى إلى جعل العديد من اليمنيين، الذين لا يثقون في جارتهم السعودية، أكثر عدائية، كما لحق الضرر بصورة المملكة العربية السعودية في أوروبا وأجزاء أخرى من العالم التي تهتم بمعاناة الشعب اليمني.

 

الضوء الأصفر

  حتى في الوقت الذي ينهار فيه اليمن، أخذ حلفاء الولايات المتحدة يغرقون في المستنقع، وعلى إثر ذلك أخذ تأثير إيران في الازدياد.

 وقدمت الولايات المتحدة دعماً ضمنياً للحملة العسكرية التي قادتها السعودية. في عهد باراك أوباما، كانت سياسة الولايات المتحدة في اليمن مشوشة في كثير من الأحيان، فطريق الوصول إلى موازنة بين المخاوف الإنسانية والرغبة في عدم عزل حلفاء الولايات المتحدة يشق بجهد كبير. وعندما أعلنت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة التدخل في اليمن عام 2015، لم توافق عليه إدارة أوباما بصورة كلية كما لم تعارضه بشدة، لتستقر في النهاية على قبول فاتر.

 وبكل هدوء، دعمت الولايات المتحدة ـ إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة، التحالف العسكري بالمعلومات الاستخبارية وزودت مقاتلاته بالوقود إلى جانب دعم لوجستي آخر. قبل مغادرته منصبه، وجه أوباما السعوديين صفعة معنوية رمزية، حينما أوقف بيع القنابل الذكية إلى المملكة بسبب الحرب. ثبت أن ذلك الحل هو الذي جلب مساوئ حلين متعارضين، فقد أثار غضب الحلفاء في حين لم يفعل شيئا لوقف التدخل أو تحسين الوضع في اليمن.

  وسرعان ما رفع ترامب حظر أوباما بيع القنابل الذكية، لكن إدارته لم تنحرف بشكل كبير عن سياسة أوباما المؤيدة بحذر للدعم، خاصة بعد أن أدت غارة قوات العمليات الخاصة الفاشلة في اليمن إلى مقتل أحد أفراد قوات البحرية الأمريكية وربما أكثر من 20 مدنياً مطلع 2017.

  وفي يونيو الفائت، رفضت الولايات المتحدة طلباً للانضمام إلى الهجوم الذي تقوده دولة الإمارات العربية المتحدة على الحديدة غربي اليمن، وهو الميناء الرئيسي الذي يتم من خلاله دخول المواد الغذائية والإمدادات الأخرى إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيين. مع ذلك، وصفت مجموعة الأزمات الدولية رسالة وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الهجوم بأنها "ضوء أصفر" خفيف يمكن للحلفاء أن يتجاهلوه بلا تردد. ولكن السعوديون والإماراتيون وعلى نحو لا يعترف بالقيود، شعروا بأن التفويض قد صدر من خلال التبني القوي الذي توليه إدارة ترامب لهذه النقطة ولم يروا بأن هناك حاجة لتغيير المسار في اليمن.

 

انتهاء سياسة الولايات المتحدة المشوشة

   توجب على واشنطن إنهاء دعمها غير الرسمي لجهود حلفائها المتعثرة والمدمرة، إذ أن القيام بذلك يصب في مصلحتها الاستراتيجية: إيران أقوى في اليمن مما كانت عليه في بداية التدخل العسكري بقيادة السعودية. وقد أنفقت كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عشرات المليارات على الحرب، وكثير من اليمنيين يكرهونهم بسبب الدمار الذي أحدثوه، فحتى وإن هُزم الحوثي في الحديدة، يُرجح أن تستمر الحرب.

  علاوة على ذلك، لا يعفي الولايات المتحدة منحها مجرد الضوء الأصفر من تواطؤها في الكارثة الإنسانية التي تجتاح اليمن، وعلى الرغم من أن إدارة ترامب لم تفعل الكثير لتوحي بأنها تهتم بالأزمات الإنسانية، خاصة في الشرق الأوسط ، فإن دعمها اللوجستي والاستخباراتي للتدخل يربطها مباشرة بمعاناة اليمنيين، وهذا صحيح حتى مع ادعاء الزعماء بأن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب وعدد قليل من المواطنين الأمريكيين يعرفون دور بلادهم في هذا النزاع. وكما لاحظ السيناتور مايك لي (من ولاية يوتا) "إنه لأمر يفوق الخيال، ويفوق توقع أن تصل اللغة الإنجليزية إلى ما بعد نقطة التوقف، تصديق أن الجيش الأمريكي لا يشارك في الأعمال العدائية في اليمن".

 ومن السخرية الاعتقاد بأن ترامب يحتاج إلى إثبات النوايا الحسنة من السعوديين والإماراتيين على نحو أقل بكثير مما فعله سلفه. كلاهما قدما الدعم للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش في العراق وسوريا، لكن نجاح الحملة عمل على دفع الخلافة الإسلامية هناك إلى حد كبير. وبشكل تقليدي، يلعب السعوديون والإماراتيون أيضاً دوراً في خطط  ترامب للسلام العربي-الإسرائيلي، ولكنها لم تمنح سوى أهمية قليلة نظراً لأنها غير واقعية ومقلّقة إلى حد كبير. حتى بما يتعلق باليمن، تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً هائلاً على حلفائها ولكنها لا تريد أن تستخدمه.

 وكما يقول ألكس دي وال، باحث وخبير المساعدات، عمليات التزويد بالوقود أثناء الطيران ووجود مستشارين أمريكيين ومبيعات الأسلحة، كل تلك من شأنها أن تكون للولايات المتحدة كي تمارس الضغط على حلفائها. ولكن إدارة ترامب لا ترغب في استخدامها.

 وجاء الهجوم الإماراتي الحالي على ميناء الحديدة الاستراتيجي الذي يسيطر عليه الحوثيين ليتيح الفرصة لتجديد المفاوضات، وهنا يجب على الولايات المتحدة أن تدعم الجهود المستمرة التي يبذلها مارتن غريفيث، مبعوث الأمم المتحدة الجديد إلى اليمن، لوقف الهجوم وإجراء محادثات السلام. حيث بإمكان الكونغرس أن يشجع مثل هذه الجهود، باستخدام نفوذه بشأن تصريحات بيع لأسلحة والسيطرة على الإنفاق العسكري الأمريكي للضغط على الإدارة. كما أن جلسات الاستماع حول النفوذ الإيراني المتنامي والأزمة الإنسانية في اليمن التي تنطوي على انتقاد علني للحلفاء الحساسين للدعاية مثل المملكة العربية السعودية يمكن أن تغير النقاش. من المرجح أن يكون الهجوم على الحديدة من قبل قوات التحالف السعودية الإماراتية مكلفاً للطرفين، لكن الهزيمة ستكون مدمرة بشكل خاص للحوثيين الذين سيفقدون ميناء إمدادات بالإضافة إلى رمز واضح لقوتهم العسكرية، ولمنع مثل هذه النتيجة، يمكن تشجيع الحوثيين على الدخول في صفقة بشرط الحد من العلاقات مع طهران. لكن في غياب مثل هذه الصفقة، من المرجح أن يتضاعف الدعم الإيراني، الذي سيصبح شريان الحياة الرئيسي بالنسبة لهم.

 من جانبهم، يمكن لحلفاء أميركا المطالبة بانتصارهم في الحديدة والدخول في مفاوضات "الانتصار"، ما يسمح لهم على الأقل بتقليل حجم تدخلاتهم، ولكن ذلك لن يحل مشكلات اليمن أو يعالج بشكل كامل مشكلة قوى إيران الإقليمية المتنامية، ولكنه سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح.


لمتابعة أخبارنا على قناة "ديبريفر" في التليجرام عبر الرابط أدناه:
https://telegram.me/DebrieferNet

آخر الأخبار

إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق