غريفيث يواصل مساعيه لإيقاف الحرب: الحل السياسي المستحيل في اليمن (تقرير خاص)

عدن (ديبريفر) خاص
2018-11-24 | منذ 2 أسبوع

الحل السياسي المستحيل في اليمن بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف حرب

يبذل المبعوث الخاص لأمين عام الأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، مساعيه الرامية لإيقاف الحرب ودفع الأطراف السياسية إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى "حل سياسي" عادل ما زال غير متاح، ولا توجد إرهاصات حقيقية تشير إلى إمكانية تحقيقه، وهو حل في نظر مراقبين تحدثوا لوكالة "ديبريفر" للأنباء "شبه مستحيل".

يحاول غريفيث أن يكون مرناً في تعامله مع كافة الأطراف السياسية منذ أن تسلم مهامه كمبعوث أممي إلى بلد مزقته الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف وجعلته بلداً منكوباً على نحو كارثي، ومُثخناً بجراح و مآسي لا تنتهي.

ومساء أمس الجمعة، بعد زيارته لمدينة الحديدة غربي اليمن، أعلن غريفيث عن إبرام اتفاق بخصوص المفاوضات وميناء الحديدة، قائلاً: "اتفقنا على أن الأمم المتحدة يجب أن تنخرط الآن وبشكل عاجل في مفاوضات تفصيلية مع الأطراف للقيام بدور رئيسي في ميناء الحديدة، وأيضا على نطاق أوسع".

ويتسق إعلان غريفيث مع ما قالته الخارجية الأمريكية أمس الأول الخميس، بأنه يجب تسليم ميناء الحديدة اليمني المطل على البحر الأحمر إلى جانب محايد، وإيقاف القتال المتصاعد وإقامة تدابير الثقة المتبادلة من أجل الدخول في المفاوضات.

لكن الحوثيين بعد ساعات من إعلان غريفيث، قالوا أنهم وافقوا على القبول بـ"دور إشرافي فقط للأمم المتحدة على ميناء الحديدة، ولم نوافق على تسليمه".

وغادر المبعوث الأممي اليوم السبت، صنعاء متوجهاً إلى الرياض للقاء مسؤولي الحكومة اليمنية "الشرعية" المعترف بها دولياً التي أعلنت قبل وصوله رفضها لأي اتفاق لا يتضمن انسحاب الحوثيين من مدينة وميناء الحديدة (220 كيلو متر غرب صنعاء)، وتسليمهما لهذه الحكومة المدعومة بتحالف عسكري تقوده السعودية.

وقال وزير الإعلام في الحكومة اليمنية "الشرعية"، معمر الإرياني، إنه "لا يمكن القبول بأي صيغة لإدارة ميناء الحديدة لا تضمن عودتها للسلطة الشرعية".

وأضاف الإرياني في تغريدة على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" رصدتها وكالة "ديبريفر" للأنباء: "نرحب بأي خطوات أو جهود يبذلها المبعوث الأممي لإقناع المليشيا الحوثية الإيرانية بالانسحاب من الحديدة ومينائها وتسليمهما للسلطة الشرعية"، مشيراً الى أن ذلك "بحسب ما تنص عليه القرارات الدولية وفي مقدمتها القرار ٢٢١6، حيث تم التأكيد في أكثر من مناسبة الترحيب بالسلام على قاعدة المرجعيات الثلاث".

معمر الإرياني وزير الإعلام في حكومة "الشرعية" اليمنية يعلن رفضها لتسليم ميناء الحديدة لطرف ثالث

غير أن الحوثيين لا يهتمون بالمرجعيات أو بالقرارات الدولية، وعادة ما يتنصلون عن أي اتفاقات يمكن أن تقود إلى طاولة المفاوضات من أجل الوصول إلى حل سياسي، وفقاً لمحللين سياسيين.

وأول أمس الخميس التقى مارتن غريفيث، زعيم جماعة الحوثيين (أنصار الله)، عبدالملك الحوثي، في سياق استئناف مشاورات السلام بين الأطراف المتصارعة في اليمن المزمع استئنافها في السويد منتصف ديسمبر/كانون الأول القادم.

وفي حين لم يتم الإشارة إلى مكان عقد لقاء غريفيث والحوثي، قالت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" بنسختها في صنعاء التي يديرها الحوثيون، إن اللقاء، تناول التحضيرات المطلوبة لانعقاد مشاورات جديدة في السويد في ديسمبر القادم، بعد تعثر الجولة السابقة التي كان مقرر انعقادها مطلع سبتمبر الماضي في جنيف.

وذكرت أن الجانبين تبادلا وجهات النظر حول التسهيلات المطلوبة لنقل 50 جريحاً إلى سلطنة عُمان لتقلي العلاج وإعادتهم إلى صنعاء تحت إشراف الأمم المتحدة، وهو شرط مسبق لجماعة الحوثيين تتمسك به لقبولها العودة إلى طاولة المشاورات، وكان سبباً رئيساً في تعثر مشاورات جنيف.

ويوم الأربعاء الفائت، نقلت وكالة "فرانس برس" عن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس قوله إنه "من المحتمل للغاية أن نرى كلا من المتمردين الحوثيين والحكومة التي تعترف بها الأمم المتحدة (يجريان محادثات) في السويد في مطلع ديسمبر"، مضيفاً "إذا كنتم تريدون إنهاء الحرب في اليمن عليكم العمل مع السعودية".

وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس يعلن موعد ومكان مشاورات السلام اليمنية

بالنسبة إلى المتحدث باسم جماعة الحوثيين، محمد عبدالسلام، فكتب سلسلة تغريدات على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، أشار فيها إلى أن زعيم الحوثيين أكد لغريفيث "أهمية توفر المصداقية والإرادة للحل السياسي بعيداً عن المغالطات والتزييف كما يحصل قبيل كل مشاورات يتم الإعداد لها"، لافتاً إلى أن البحث تناول كذلك "التسهيلات المطلوبة لنقل الجرحى والمرضى للعلاج في الخارج وإعادتهم".

وقال عبدالسلام إن عبدالملك الحوثي "قدّم مبادرات إيجابية وخطوات عملية باتجاه دعم الحل السياسي" وإنهاء ما أسماه "العدوان في كل الاتجاهات"، داعياً إلى ما أسماها "إزالة المبررات والادعاءات غير الصحيحة، بما في ذلك محافظة الحديدة، التي تتعرض لعدوان غاشم يطال حتى مؤسساتها الحيوية التي تنعكس سلباً على كل اليمنيين".

لكن الناشط السياسي، بلجون عبدالرحمن بلجون، يرى أن "مبدأ التقية من أساسيات الشيعة" في اشارة إلى جماعة الحوثيين الشيعية.

ويضيف بلجون في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أن "الموت لأمريكا شعار الحوثيين" لكن "الحقيقة ثمة مفاوضات خلف الكواليس مع أمريكا وبريطانيا وفرنسا لإنقاذهم مقابل امتيازات وفوق البيعة امتيازات".

ويؤكد: "أمريكا تضع رأس عصابة الحوثي الإرهابية التي اغتصبت السلطة برأس شرعية فنادق الرياض" في اشارة إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي يمكث أغلب وزرائها في العاصمة السعودية.

وتعيش اليمن منذ 26 مارس 2015 في حرب ضارية بين جماعة الحوثيين (أنصار الله) المدعومة من إيران، وقوات يمنية تابعة للحكومة المعترف بها دولياً مدعومة بقوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات والتي تشن ضربات جوية وبرية وبحرية في مختلف جبهات القتال وعلى معاقل الحوثيين، تمكنت من خلالها استعادة السيطرة على أجزاء كبيرة في البلاد، لكن الحوثيين لا يزالون يسيطرون على العاصمة صنعاء وأغلب المحافظات والمناطق شمالي البلاد.

يقول الكاتب والمحلل السياسي مروان الغفوري، إن "الأسئلة الصعبة لا تزال غير قابلة للحل. فمثلاً: هل سيؤدي خروج السعودية من الحرب إلى خروج الحوثي من صنعاء؟".

ويضيف على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: "هل سيفكك الحوثيون مملكتهم إذا ما توقفت الغارات الجوية؟ هل السلام جزء من الحرب أم من السياسة؟ إذا كان جزءا من الحرب فمن المقدور إنجازه، أي إيقافها".

الكاتب والمحلل السياسي اليمني مروان الغفوري يشكك في مصداقية الحوثيين

بالنسبة إلى مدينة عدن التي تتخذه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عاصمة مؤقتة للبلاد؛ فهي وفق تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صدر في أبريل 2018م "مدينة مأخوذة رهينة في لعبة شد حبال متداخلة: هناك أنصار حكومة هادي من جهة، وخصومهم في المجلس الجنوبي المؤقت من جهة أخرى".

ويضيف التقرير: "ثمة نزاع بين مصالح وطنية ومحلية متعارضة يسعى فيه الجميع للسيطرة على الموارد لكن ليس هناك قوة تحكم بشكل فعال".

ويرى مراقبون أن الإمارات تسعى إلى انفصال جنوب اليمن لتحقيق أهداف خاصة بها، وهي تعد العدة لذلك من خلال المجلس الانتقالي الجنوبي المسلح الذي أسسته على الرغم من كون موقفها السياسي في التحالف العربي، وعلى مستوى الأمم المتحدة، مع وحدة الجمهورية اليمنية وسلامة أراضيها، لكنها في موقفها على الأرض الداعم لانفصال جنوب اليمن عن شماله، تراهن على الدفع بالأمور نحو فرض سلطة الأمر الواقع من خلال تمكين المجلس الانتقالي الجنوبي المسلح كأمر مماثل مع ما يفعله الحوثيون كسلطة أمر واقع في شمال اليمن، فإن فشل هذا المسعى، فهي مع موقفها السياسي عربياً ودولياً.

وكانت الحكومة اليمنية "الشرعية" أبدت استعدادها الفوري لبحث كل الإجراءات المتصلة ببناء الثقة، وأبرزها "إطلاق سراح جميع المعتقلين والأسرى والمختطفين والمخفيين قسراً، وتعزيز قدرات البنك المركزي اليمني ويحظى باعتراف دولي، وكذا إلزام الحوثيين بتحويل إيرادات الدولة في مناطق سيطرتهم إلى البنك المركزي ومركزه الرئيسي في مدينة عدن، لتمكينه من إحكام السيطرة على الوضعين المالي والاقتصادي ودفع مرتبات العاملين في الخدمة المدنية".

إجراءات بناء الثقة، وفقاً لبيان صادر من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مطلع نوفمبر، تشمل "فتح المطارات وفق خطوات وإجراءات مزمنة تكفل ضمان السلامة، وتمكين الأمم المتحدة من الرقابة على ميناء الحديدة، لضمان عدم خرق بنود القرارات الدولية ذات الصلة، بالإضافة إلى منع وصول الأسلحة والصواريخ الباليستية المهربة من إيران للمليشيات الحوثية".

وتتمسك الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بمرجعيات الحل السياسي الثلاث المتفق عليها، وتؤكد أن "مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ومسودة الدستور اليمني الجديد، حددت بصورة واضحة شكل الدولة الجديدة التي توافق عليها اليمنيون، وهي الدولة الاتحادية البعيدة عن المركزية، وفق مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية والحكم الرشيد".

في ما يتعلق بـ"طرح فكرة الحكم الذاتي"، تقول الحكومة اليمنية الشرعية إن "أي حديث عن شكل الدولة اليمنية يجب أن ينسجم مع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني". وتضيف: "فهمنا لبعض التصريحات التي صدرت هو في ذلك السياق، وفي الإطار ذاته الذي أقرته المرجعيات المتفق عليها، وليس غير ذلك"، في إشارة إلى أن دعوة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس للحكم الذاتي، تقوم على أساس التقسيم الفيدرالي المقر في مؤتمر الحوار، بتحويل البلاد إلى دولة اتحادية مؤلفة من ستة أقاليم.

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي مروان الغفوري أن "السلام مع النظريات الدينية النهائية، كالولاية، لا يمكن أن يفضي إلى السياسة وإلا عنى مطالبتها بتفكيك ذاتها والتخلي عن كونها هي. السلام الذي يعني توقف الحروب شيء، والسلام الذي يعني إزالة أسباب اشتعالها شيء آخر. لا يزال الشكل الثاني من السلام صعب المنال".

ويتساءل: "كيف يمكن دمج نظرية دينية قاطعة مثل الولاية في مشروع دنيوي حاسم مثل دستور مدني، بحيث يؤدي ذلك الدمج إلى حياة مستقرة بلا خنادق ولا خوف؟".

لكن مارتن غريفيث يقول أن مهمته في اليمن "تحتم عليه أن تجعل جميع أطراف النزاع في اليمن يتخلون عن الشروط المسبقة لإجراء المحادثات ومنح فريق عمله إمكانية الوصول دون قيود ودون شروط إلى جميع أصحاب الشأن المعنيين". ويؤكد أن "التوصل إلى تسوية سياسية عن طريق الحوار الشامل بين اليمنيين هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع اليمني والتصدي للأزمة الإنسانية الحالية في البلد".

ويضيف غريفيث: "مهمتي هي إيجاد مَواطِن للاتفاق بين الأطراف، وهذا ما يفعله الوسيط. أنا لست مفاوضاً. الحل يأتي من اليمنيين وليس مني وليس من أي شخص آخر. الأمم المتحدة هنا، كما أنا، لخدمة الأطراف للتوصل إلى اتفاق. وكما قلت في المجلس (مجلس الأمن الدولي)، علينا أن نعيش مع أشخاص لا نحبهم. هذا يعني أننا بحاجة إلى التوقف عن إدانتهم. إن بناء السلام في اليمن، يتطلّب احترام بعضنا لبعض واحترام وجهات النظر المختلفة بدلاً من إدانة ومعارضة بعضنا لبعض".

غير أن الصعوبات الماثلة على الأرض في اليمن تشير إلى أن الوصول إلى حل سياسي عادل لكل الأطراف السياسية لإنهاء الحرب في اليمن، أمر غير متاح في ظل إصرار كل طرف على عدم تقديم تنازلات من شأنها أن تساهم في انجاح عملية المفاوضات، وتبدو عملية غريفيث في اليمن على أرض الواقع كمهمة مستحيلة.

يقول الكاتب والمحلل السياسي سامي الكاف لوكالة "ديبريفر" للأنباء، إن "كل طرف من الأطراف السياسية في شمال اليمن وجنوبه يحاول إقصاء الآخر والقضاء عليه".

ويضيف: "لا توجد رغبة لدى أي طرف من الأطراف السياسية في شمال اليمن وجنوبه لوقف الحرب والانتقال إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى حل سياسي".

الكاتب والمحلل السياسي اليمني سامي الكاف لا يرى حلاً للصراع بسبب عدم رغبة أي طرف لوقف الحرب

المشكلة من وجهة نظر الكاتب والمحلل السياسي مروان الغفوري تكمن في أن الحوثيين "جماعة دينية تستند كلياً إلى نظرية بدائية/ أحادية في السياسة، تقول تلك النظرية إنهم جاؤوا ومعهم الملك، وهذا الملك الذي جاءوا به هو الحق والحقيقة. إن الحوار معهم ينظر إليه من قبلهم كما لو أن أحداً يطلب منهم أولاً التخلي عن الحق والحقيقة، ثانياً أن يبصقوا في وجه الإله الذي منحهم كل ذلك النصر وأن يهينوا إرادته المنتصرة وهو الله".

ويضيف: "إذا رأيت الحوثيين فإن أمامك خيارين، أما أن تدحرهم أو تفر منهم، ولكن لا تحاول الحديث إليهم فلن تفهم شيئاً. ولنجرب الحديث هذه المرة، فقد جربنا كل شيء".

بالنسبة إلى الكاتب والمحلل السياسي سامي الكاف فإن "الوصول إلى حل سياسي عادل، أمر لن يتم إلا من خلال الاستناد إلى أن الدولة لا يمكن لها أن تقوم عن طريق استثناء طرف أو أطراف لطرف أو لأطراف أخرى، كما أن الإرادة الشعبية الجمعية لا يمثلها طرف دون طرف، ولا يمكن احتكارها من قبل طرف على حساب طرف أو أطراف أخرى".


لمتابعة أخبارنا على قناة "ديبريفر" في التليجرام عبر الرابط أدناه:
https://telegram.me/DebrieferNet

آخر الأخبار

إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق